على الرغم من كل المحاولات لوأد روح المقاومة والجهاد في سبيل الله من نفوس أطفال فلسطين إلا أن الأمر يتضح بصورة جلية يوم العيد ..ففي قطاع غزة المحاصر يبدو العيد بالنسبة للأطفال فرصة ثمينة للتعبير عما يجيش في صدورهم ... فجل مشترياتهم عبارة عن أسلحة وبنادق ومسدسات بلاستيكية وألعاب نارية من "العيدية" أي الأموال التي جمعوها من الكبار خلال فترة العيد وكأنهم ينتظرون العيد للتزود بهذه الأسلحة والتي تعني الكثير بالنسبة لهم .
فواضح في قطاع غزة حرص الأطفال على شراء كافة أنواع الأسلحة البلاستيكية وكلهم يحرص على شراء نوع واحد على الأقل منها ومن لا يستطيع فسيقوم بعملية تصنيع لسلاح محلي في خطوة منهم للمشاركة في المناورات التي باتت تعتبر من سمات الأعياد الفلسطينية في شوارع غزة .
إقبال شديد على شراء الأسلحة البلاستيكية:
الطفل محمد "الكحلوت" 10 سنوات من سكان رفح أجاب في معرض رده على سؤال حول نوعية الألعاب التي يود شراؤها خلال فترة العيد قائلا: المسدسات والبنادق التي تطلق العيارات البلاستيكية "مسدسات الدمدم البلاستيكي".
واستدرك الطفل قائلا: ولكنني لا أستخدمها لإيذاء الآخرين بل في التدرب على عمليات القنص والتصويب على الأهداف المختلفة .
وأضاف : لم أتمكن هذا العيد من شراء المسدس البلاستيكي نظرا لنفاذ المخزون من الأسواق بسبب إغلاق المعابر ولم يتبق سوى البنادق الكبيرة وهي بالطبع غالية الثمن ولن يتمكن من شرائها نظرا لغلاء ثمنها وأن العيدية التي حصل عليها خلال العيد لا تكفي لشرائها .
أما الطفل" محمود عماد" من سكان جباليا فقد أبدى فرحه الشديد لتمكنه من شراء بندقية تشبه الكلاشنكوف ومما زاده فرحا أنه تمكن من شراء حزام من القماش تماما كالذي يستخدم للكلاشنكوف الحقيقي مشيرا إلى أن هذا الحزام جعله يشعر وكأنه يحمل سلاحا حقيقيا .
وقد وجد الطفل "محمود" سببا لشرائها قائلا : نتنافس في عمليات القنص عبرها وذلك بوضع العديد من زجاجات العصير الفارغة ومن ثم القيام بعملية التصويب تجاهها .
أما الطفل "علي" 7 سنوات فقد تمكن من شراء بندقية تشبه بندقية الإم 16ذلك أن خاله عندما حضر لزيارتهم في العيد أحضر له هذه البندقية هدية له والتي كانت سببا في إدخال السرور عليه وحول أهمية هذه الهدية بالنسبة له أجاب بكل براءة بأنه سيستخدمها للجهاد في سبيل الله ولصد العدو الذي قتل عمه قبل عامين من الآن .
لعبة عرب ويهود:
ولعل أبرز ما يميز العيد هو ممارسة الأطفال للعبة " عرب ويهود " حيث ينقسم الأطفال إلى مجموعتين ... المجموعة الأولى تمثل اليهود والمجموعة الثانية تمثل العرب ومن ثم تتم عملية المبارزة والمطاردة والقيام بمناورات عجيبة ، وغالبا لا يقبل الأطفال القيام بدور اليهود ولكن لاستكمال اللعب يقومون بعمل قرعة فيما بينهم ويلبس العديد من الأطفال الذين يمثلون طرف العرب الجعب ويضعون قنابل بلاستيكية تحوى بداخلها مجموعة من الخرز المستخدم في تعبئة أسلحتهم البلاستيكية في مشهد يعيد للأذهان حالات الاجتياح التي يقوم بها العدو الصهيوني للمناطق الفلسطينية حيث تشعر كأنك في حرب حقيقة ، وتسمع دوي لإطلاق المفرقعات والألعاب النارية بل إن بعضهم يقوم بشراء كميات من الصواريخ التي تنطلق في الهواء بعد فترة من اشتعالها ومن ثم إطلاقها خلال اللعب تيمنا بالمقاومة الفلسطينية التي تطلق الصواريخ بصورة يومية على مغتصبات الكيان الصهيوني .
يقول الطفل عبد الله من خانيوس : تتبارى العديد من الحواري في هذه اللعبة حيث تمثل إحدى الحواري طرف العرب أما الحارة الثانية فتمثل طرف اليهود ومن ثم تبدأ المناورات .
من جانبهم أكد العديد من الباعة وجود إقبال شديد على شراء الأسلحة البلاستيكية بل إن جل بيعهم يعتمد عليها
يقول المواطن مهند من المنطقة الوسطى والذي يعمل فقط في بيع الألعاب خلال فترة الأعياد بأنه تمكن من عمل دخل ما يقارب بـ 2500 شيكل (ما يقارب 600 دولار) وذلك لبيعه فقط للأسلحة البلاستيكية من بنادق وقنابل وذخيرة تستخدم كألعاب أطفال .
الأسباب النفسية:
حول الأسباب التي تدفع الطفل لشراء الأسلحة البلاستيكية أوضح الدكتور فضل أبو هين مدير مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات بغزة والأستاذ في الصحة النفسية في كلية التربية بجامعة الأقصى لـ"مفكرة الإسلام " بأن السبب وراء إقبال الأطفال الفلسطينيين على شراء الأسلحة هو البيئة المحيطة بالطفل مشيرا إلى أن الذي يدور في بيئة الطفل الفلسطيني القتل والاجتياحات والدمار والآلام اليومية وبالتالي تستدخل هذه الأوضاع بداخل الطفل الفلسطيني وتصبح جزء من وعي الطفل وشخصيته وطريقة تفكيره وجزء من ثقافته الداخلية .
وأضاف الدكتور أبو هين بأن الطفل حينما يبدأ يلعب فإنه يخرج ما بداخله إلى أرض الواقع وبالتالي فإن أقرب شيء بداخل هذا الطفل هي الألعاب النارية التي هي جزء من الواقع الأليم والتأزم الداخلي الذي هو أصلا موجود بداخل الطفل الفلسطيني .
وتابع قائلا : حينما يلعب الطفل الفلسطيني بالألعاب النارية هو لا يريد أن يقضي وقتا بل إنما في مخيلته كائن معين يتوحد به ويتمنى أن يصبح جزءا منه ، فهو يتمنى أن يكون جنديا أو عسكريا ، يتمنى أن يغتنم هذا السلاح ليقوم بشيء معين، ولأجل تحقيق هدف معين، من أجل ذلك أكثر ألعاب الطفل الفلسطيني من الألعاب التي تفرغ الشحنات لديه والمتمثلة بالألعاب النارية.
ودعا الدكتور أبو هين المجتمع الفلسطيني لترك الطفل ليعبر عن إنفعالاته بشكل حر وسلس مع الأخذ في الإعتبار مراقبة تصرفاتهم وسلوكهم .
ويرى الدكتور أبو هين أن الذي سيجعل من البندقية البلاستيكية خطر مستقبلي على دولة الكيان الصهيوني هو الواقع المحيط الذي دفع للحاجة للبندقية ذلك أن واقع الطفل الفلسطيني مليء بالمحن والأزمات
وأضاف : إن إسرائيل بإعتداءاتها واجتياحاتها وذبحها للأطفال تعمل على إنشاء جيل مجيش من الفلسطينيين الذين سيشكلون خطرا على وجودها وأمنها وبقائها .
كما وأكد الدكتور المتخصص في مادة علم النفس في الجامعة الإسلامية محمد الحلو لـ"مفكرة الإسلام" بان البيئة تلعب دورا فعالا في هذه القضية . وقال الدكتور الحلو : الأطفال الفلسطينيون يعيشون في بيئة إحتلال وهذه البيئة المحيطة بهم تؤثر بشكل مباشر على الطفل وسلوكه
وأكد الدكتور الحلو أن الإعلام كذلك يلعب دورا فعالا في هذه القضية قائلا: الإعلام له تأثير قوي وفعال الأمر الذي يؤدي إلى تأجيج روح القتال ومقارعة الإحتلال في نفوس الأطفال والذي يعرض مشاهد القصف والاغتيال بشكل يومي .
وقال الدكتور الحلو : الطفل عندما يرى صديقه قد قتل على يد الاحتلال الصهيوني فإنه يتمنى حمل السلاح من أجل الثأر لأصدقائه وبالتالي يحمل البندقية البلاستيكية عوضا عن ذلك .
وأشار الدكتور الحلو أن حمل الأسلحة البلاستيكية من قبل الأطفال الفلسطينيين يرجع إلى ما يعرف بــ"التنفيس الانفعالي" بسبب ظروف القتل والإغتيال والظروف الإقتصادية الصعبة فإن الطفل يريد أن ينفس عما بداخله بسبب تلك الأوضاع .
وأوضح الدكتور الحلو إلى أن عدم وجود عملية تنفيس يؤدي إلى انعكاسات سلبية على شخصية الطفل ما قد يجعل شخصية الطفل عدوانية أو إنطوائية على حد قوله .
استغفر الله العظيم
تحياتي
(منقول عن:غزه-مفكرة الاسلام)