برتقالة فلسطين.. دلال المغربي!
كانت في العشرين من عمرها عندما وصلت بزورقها المطاطي من لبنان إلي فلسطين لتنفذ عملية الحافلة علي سواحل فلسطين، وُلدت في مخيم للاجئين بالقرب من بيروت لعائلة فلسطينية هُجرت من يافا إبّان النكبة المشؤومة عام 1948. ثلاثون عاماً مرت منذ أن عطّر دمها الزكي تراب الوطن الغالي، أيهود باراك مثل بجثتها بعد استشهادها، أرسلها الشهيد أبو جهاد، من أقطاب حركة فتح، لتكون قائدة العملية، سمراء اللون، عربية الملامح، فلسطينية الجذور، إنّها دلال المغربي، برتقالة فلسطين، التي تناستها القيادة الفلسطينية الحكيمة، هذه القيادة التي وقّعت علي اتفاق أوسلو مع الدولة العبرية، تناست هذه الشهيدة، التي قام الإسرائيليون بدفنها فيما يُسمي بمقبرة الأعداء. كان ذلك في الحادي عشر من شهر آذار (مارس) من العام 1978. الرقم 8 له مدلولات كثيرة ومفارقات غريبة في سيرة حياة الشهيدة دلال، فشعبها انتكب في العام 1948، وهي وًلدت في العام 1958، ونالت الشهادة في العام 1978، وجثتها ستُعاد إلي لبنان في العام 2008.
دلال ستُهجر من فلسطين مرّة أخري في صفقة التبادل بين حزب الله وإسرائيل، المقرر إخراجها إلي حيًز التنفيذ الأسبوع القادم، ستعود دلال إلي مخيم الشتات الذي خرجت منه إلي النور جثة هامدة، ولكنّها تحّولت إلي رمز من رموز الثورة الفلسطينية، عندما كانت ثورة، وعندما كانت فلسطين.
في العام 1986 اختفي في لبنان مساعد الطيار الإسرائيلي رون أراد. حتي هذه اللحظات ما زالت الدولة العبرية تدفع الغالي والنفيس من أجل الحصول علي معلومات عنه. لم تأل جهداً في محاولاتها لمعرفة مصيره المجهول. عندما تحترم الدولة مواطنيها وعساكرها، فإنّهم يجدون أنفسهم ملزمين باحترام المؤسسة الحاكمة وإصرارها علي البحث عنهم حتي بعد اختفائهم في أرض العدو. هكذا تُصقل الشعوب، هكذا تُبني الأمة، هكذا يُحافظ علي الدولة.
أما نحن، وتحديداً القيادة الفلسطينية الممثلة اليوم بالرئيس محمود عبّاس (أبو مازن) فإنّنا نعمل كل ما في وسعنا من أجل دفن الأبطال، مرة ومرة أخري، ننساهم ونتناساهم. نقتلهم تارة، ونعدمهم تارة أخري. حزب الله اللبناني، الشيعي إذا أردتم، تبني الموقف بالمطالبة بجثة الفدائية الفلسطينية، أصّر علي ذلك، وألزم إسرائيل بالموافقة علي شروطه.
السيد عبّاس، الذي يزعم أنّه يمثل الشعب العربي الفلسطيني، زار سورية هذا الأسبوع. عوّلنا خيراً علي هذه الزيارة. أملنا وتأملنا في أن يتمّ الاجتماع بينه وبين رئيس الدائرة السياسية في حماس خالد مشعل، ولكنّ عبّاس رفض بشدة، واختار الاجتماع بالأمين العام للجهاد الإسلامي رمضان عبد الله شلّح. وبالمناسبة حركة حماس هي التي سيطرت بالحسم العسكري علي القطاع، ومفاتيح الوحدة الوطنية موجودة لديها، وبدون الاتفاق بين مشعل وعبّاس، ستبقي وحدة أطياف الشعب الفلسطيني حلماً مثل حلم الوحدة العربية. وعبّاس والزمرة التي تُحيط به غير مخّولين وغير مؤهلين لاتخاذ القرارات المفصلية في القضية الفلسطينية، ولا الاملاءات الصهيو-أمريكية هي التي تُحّدد مصير شعب الجبارين.
تذّكر يا محمود رضا عبّاس ما قاله ديغول: فرنسا المقاتلة هي بالضرورة فرنسا. إن اسمنت الوحدة الفرنسية هو دم الفرنسيين الذين لم يريدوا أن يعرفوا عار الموت من دون أن يقاتلوا.
عزاؤنا الوحيد، كأبناء للأمة العربية والشعب الفلسطيني أنّنا نحصل علي أوسمة الشرف من الأعداء، أما الأشقاء فإنهم منشغلون في دق الخوازيق لنا، كما قال الشاعر العربي الكبير نزار قباني: خازوق دُقّ ولن يُقلع، من شرم الشيخ إلي سعسع. بموازاة ذلك، موشي دايان القائد العسكري الإسرائيلي المنتصر في عدوان حزيران (يونيو) من العام 1967 قال يائساً: لا أنا ولا أي جنرال إسرائيلي آخر قادر علي هزيمة الفلسطينيين، الذي سيهزمهم هو الجنرال يأس.
الشهداء لا يموتون، والشعوب التي تحترم نفسها وماضيها وحاضرها هي الشعوب التي ستصل حتماً في المستقبل المنظور أو غير المنظور إلي تحويل الحلم إلي حقيقة. دلال المغربي، كانت وما زالت وستبقي نبراساً يُنير الطريق، طريق تحرير الأرض والإنسان، طريق الحرية والكرامة والعزّة، علي الرغم من المحاولات العبثية لقيادة فلسطينية لا تتمتع بمصداقية، لمحو ذكراها من ذاكرتنا الجماعية.
برتقال يافا ما زال مثمراً، وما زال رحيقه يعبق في أرجاء الوطن، يبكي وينتظر عودة أصحابه، وهكذا ستبقي دلال المغربي ثمرة ناضجة ومسحوقاً لذيذاً في تاريخ فلسطين الحبيبة.
ہ كاتب من أسرة القدس العربي